حيدر حب الله

423

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

لأجل موضوعين : خبر الواحد ، والظهور . على أية حال ، فالملاحظ في تطوّر علاقة موضوع السيرة بمسألة السنّة الظنية المحكية أن علماء أصول الفقه أدرجوها عند استدلالاتهم على حجية خبر الواحد ضمن دليل الإجماع ، فالنصوص الأصولية تؤكد أنهم كانوا ينظرون إليها من داخل السياق الإجماعي ، وأنها بدأت تنفصل تدريجيا عن هذا السياق ، لتأخذ لنفسها حيزا مستقلا من أدلّة حجية الآحاد بوصفها سيرة عقلائية ، كما لتندرج - واقعيا لا تدوينيا - في دليل السنّة على حجية السنّة بوصفها دليلا متشرّعيا « 1 » . ولعلّ السبب في إدراجها في سياق الإجماع ، أنهم انطلقوا معها من وصفها سيرة إسلامية متشرّعية ، وكأنها تعبر عن إجماع إسلامي ، ولما أتوا إلى السيرة العقلائية ، لاحظنا أنهم تعاملوا مع ظاهرة إجماع عقلائي ، لهذا كان أنسب مكان لهم وضعها داخل دليل الإجماع على حجية الخبر ، إلا أن تطوّرها وظهور معالمها المميزة لها ، دفع تلقائيا إلى استقلالها ، في خطوة مرتقبة ، وهو استقلال حديث الظهور ، وما زال في بداياته . لم يبق الحال على هذا المنوال فحسب ، بل شاهدنا تطوّرا تصاعديا لنظرية السيرة في موضوع السنّة الظنية ، فالإجماع الشيعي كان العماد الرئيسي الذي شاد عليه الشيخ الطوسي ( 460 ه ) - كما تعرّفنا على ذلك سابقا - نظرية أخبار الآحاد ، ثم جاء دور آية النبأ وغيرها من الآيات لتنضمّ إلى الإجماع بقوّة ، فغدت بعض الآيات القرآنية - مع الإجماع - أهم أدلّة حجية الخبر ، إلا أن البحث الأصولي - كما أشرنا - أجهز على موضوع الإجماع منذ قرابة القرن والنصف ، كما تعرّضت آية النبأ لمناقشات حادّة ، وقد كانت نظرية الآخوند الخراساني ( 1329 ه ) في نفي وجود مفهوم للجملة الشرطية مساعدا على إسقاط الاستدلال بآية النبأ عند غيره « 2 » ، ولهذا تراجعت بعض الآيات على الأقل ، كما تراجع الإجماع ، مما عزّز دور السيرة ، ولهذا يمكن القول : إن دليل السيرة بات يعدّ منذ قرابة القرن أقوى دليل على حجية الآحاد على الإطلاق ، بل هذا ما صرّحت به كلماتهم أنفسهم « 3 » ، وهذا تحوّل أساسي في آليات البرهنة الشيعية على نظرية السنّة المحكية ، وهو

--> ( 1 ) - راجع : المصدر نفسه : 395 . ( 2 ) - الخراساني ، كفاية الأصول : 231 - 233 . ( 3 ) - انظر : النائيني ، فوائد الأصول 3 : 194 ؛ ومحمد حسين الطباطبائي ، حاشية الكفاية 2 : 212 ؛ والخميني ، أنوار الهداية 1 : 313 ؛ وتنقيح الأصول 3 : 191 ؛ وكتاب الطهارة 2 : 161 ، و 3 : 9 ، 291 ؛ وتهذيب الأصول 2 : 472 ؛ والخوئي ، مصباح الأصول 2 : 196 - 197 ، 200 ؛ والهداية في الأصول 3 : -